الفيروس في فلسطين

نص الحلقة

مرحبا، معكم عبير قبطي وهذا بودكاست المستجد. 

حلقة اليوم هي حلقة خاصة أعدتها ورح تقدملكم إياها الزميلة لمى رباح. 

بهاي الحلقة لمى بتوثق اللي عم يصير في فلسطين، وتحديدا، ممارسات الاحتلال الإسرائيلي اللي رغم تفشي الوباء، ما وقف يوم من ممارساته الاستعمارية بحق الفلسطيني. وفي الوقت اللي العالم كله مشغول بانقاد ارواح، هو لا يزال مشغول بتدمير أرواح.

 

بترككم مع الزميلة لمى رباح. 

فيه أحلام مزعجة، بس بنقدرش نسمّيها "كوابيس"، إلّا إذا بتكون صعبة لدرجة إنه تصحّينا.

وبس يخلص هالكابوس، ونصحى، فيه مشاهد مش رح ننساها.

مش رح ننسى وجوه الممرضات في الصين بعد ساعات قاسية في المشافي، وكيف علّمت الكمامات على وجوههن وصارت جروح.

ومش رح ننسى مشهد آلاف الناس في الهند، راجعين مشي على قُراهم، هاربين من الجوع في المدينة بعد ما خسروا أشغالهم.

رح نتذكر صور لمدن فاضية بنحبّها، وجنائز حزينة، وأعراس أقل فرح من العادة. 

هذا بودكاست المستجد من إنتاج صوت، وأنا لما رباح.
 

بحلقة اليوم، رح نحكي عن فلسطين بشكل خاص، ونحاول نشوف: كيف بيصير شكل الكابوس لمّا وباء عالمي بيجتمع مع الاحتلال في صورة واحدة؟

 

مع ظهور أوّل إصابات بفيروس كورونا في مدينة بيت لحم، فرض الاحتلال طوق أمني على المدينة فوراً؛  سكّر مداخلها والحواجز العسكريَّة المؤدية إلها. وكان متوقع إنه الاحتلال يغلِق كلّ المدن الثانية في الضفة الغربية بنفس الطريقة.

 

بس فيه أكثر من 100 ألف عامل فلسطيني محتاجين يقطعوا الحواجز العسكريَّة ليوصلوا شغلهم في مدن الداخل، يعني المدن المحتلة سنة 1948 زي يافا وحيفا.

احتجّت وقتها شركات المقاولات الإسرائيليّة على الإغلاق، لأنه عمّال البناء الفلسطينيين همه المحرّك الأساسي لشغلها، كانت معنيّة ببقائهم على رأس عملهم رغم الظرف اللي بهدّد صحّتهم. 


 

العمّال بدخّلوا أكثر من 200 مليون دولار شهرياً من عملهم في سوق العمل الإسرائيلية بحسب التقديرات، يعني بشكّلوا جزء كبير من الاقتصاد الفلسطيني بطبيعة الحال، بعد ما تسبّب الاحتلال على مدى سنين، بتدمير قطاعات الزراعة وأي قطاع إنتاج ممكن يخلي الاقتصاد الفلسطيني مستقل.

 

تحت ضغط شركات المقاولات، فرض الاحتلال حلّ وحيد لتوجّه العمّال لشغلهم، إنهم يقطعوا الحواجز لمناطق الداخل مرَّة واحدة، بدون رجعة، ويبقوا هناك لمدّة شهرين. 

يعني كان أمام العمال خيارين، يبقوا ببيوتهم، ويخسروا مصدر رزقهم الوحيد.

أو يخاطروا بصحتهم، ويشتغلوا بعيد عن عائلاتهم لمدّة شهرين.

 

كان معهم مهلة 3 أيام يقرروا ويدبّروا مكان للمبيت في أماكن عملهم قبل ما تتسكّر كل الحواجز. قبل انتهاء المهلة، عشرات آلاف العمّال قرروا يروحوا على أشغالهم بكل الأحوال، شفناهم حاملين بطانيات ومخدات على ظهورهم وعم بقطعوا الحواجز. 

 

بعد كم يوم من هالمشهد، بنصحى على مشهد أصعب. رجل واحد على حاجز بيت سيرا... على الأرض، بيصوّره شاهد عيان بكاميرا من بعيد. 

بيحاول الشاهد يوصف حالة العامل مالك غانم، وهو نايم على جنب الطريق، مش قادر يتحرَّك. كان مرّ على وجوده على الأرض أكثر من ساعتين.

 

مالك عامل بناء، كان يشتغل في ورشة بتل أبيب، ارتفعت درجة حرارته كثير، ما كانش قادر يشتغل من التعب، كان فيه شك إنه مصاب بفيروس كورونا… اتصلوا زملاؤه بسيارة إسعاف.

بالبداية، ما قبل سائق السيارة- الإسرائيلي- إنه يوصّله على المستشفى، لأنه عربي… لمّا وصل مالك على مستشفى بتل أبيب، المستشفى سكّرت بوابها بوجهه، ما سمحتله يفوت ليتعالج.

بعد شويّ، بيوصل عناصر شرطة الاحتلال لابسين زِيّ واقي، بيقيّدوا إيديه ورجليه، وبياخدوه في جيب عسكري على حاجز واصل مع الضفة الغربية.

 

ووقتها بيلاقوه المتطوعين الفلسطينيين على الجانب الثاني، وبيحذرهم يبعدوا عنه، خايف عليهم يلقطوا العدوى، وبيقدروش يقرّبوا عليه لأنه ما عندهم زيّ واقي. وبينهار هو من التعب، نفسياً وجسدياً، بيستنى سيارة إسعاف فلسطينية.

تبيّن بعدين إنه غير مصاب بكورونا، بس كان عنده انفلونزا حادة.

بعد هالمشهد، صار في جدل كبير بفلسطين حول موضوع العمّال بالداخل، وخصوصاً حول دور الحكومة الفلسطينية في حمايتهم.
وكيف بنقدر نوفرلهم بديل عن العمل؟

 

وكثير أسئلة، الاشي الوحيد المؤكد فيها هو إنّه الاحتلال استغل عمل مالِك وصحته لسنين، وعمل أرباح ونمّى قطاعات كاملة من عرق جبينه، هو والعمال غيره، وأوّل ما يُشتبه بإنه مريض، بيوصّلوه الجنود بجيب عسكري، بالقوة، لأقرب حاجز بدون أدنى رعاية طبية.

بعد ما فرضت الحكومة حظر للتجوّل للحد من انتشار الفيروس، الشوارع صارت مغلقة بالضفة الغربيَّة. بعضها مسكّر بسواتر ترابيَّة بتذكرنا بأيام الاجتياحات الإسرائيليَّة، مثل ما كلمة "منع التجول" بترجّع صوت دوريَّة الجيش وهي تنادي بالشوارع بمكبّر الصوت.

دوريّات الجيش وجنوده ما غابوا، حتى بهاي الأزمة،  خلال آذار مثلاً، فيه 250 عائلة بفلسطين فاقوا بنصّ الليل على صوت بابهم بينفتح بالقوة، وجنود لابسين كمامات وأقنعة واقية دخلوا مع أسلحتهم ليعتقلوا 250 أسير وأسيرة جداد. بينهم أطفال.

 

رح ينضموا لأكثر من 5000 غيرهم، موزعين على سجون الاحتلال، اللي ما فيها إجراءات كافية لحمايتهم من الفيروس، رغم وجود مرضى بالسرطان بينهم، غير إنه الاحتلال منع دخول مواد التعقيم والتنظيف للسجون بالفترة الأخيرة. 

الثلاثاء 31 آذار، تحرَّر الأسير نور الدين صرصور، الي ثبتت إصابته بفيروس كورونا فوراً، خالط نور الدين عشرات الأسرى في سجن عوفر غرب رام الله، فمصلحة السجون أغلقت القسم الي كان فيه فقط، وبدون ما تاخذ عينات من الأسرى الي خالطوه.
 

الأسبوع الماضي، الأسرى بعثوا رسالة لمنظمات حقوق الإنسان بيقولوا فيها: 

"أنقذونا قبل أن تتحول السجون إلى مقابر جماعية".

 

للأسف، غزّة صار فيها 12 إصابة من وقتها، من لمّا رجعوا شخصين مصابين من السفر… هي حالة خاصة، مش لعدد الإصابات، بس لأنها مساحة ضيّقة فيها كثافة سكانية عالية، من أعلى النسب في العالم. 42 ألف شخص بيعيشوا بكل كم٢ مربع. 42 ألف مقارنةً بحوالي 3000 في عمّان مثلاً.

 

وكثير من سكان غزة بيعيشوا في مخيمات للّاجئين، يعني مساحات أكثر اكتظاظ لسا، الحال الي بينطبق كمان على الفلسطينيين بالشتات، بالأردن، وبلبنان، وبسوريا.

 

بيصير التباعد الاجتماعي مزحة بهيك ظروف.

 

غزّة بتعاني من أزمة اقتصاديّة كبيرة؛وهذا الاشي رح يتفاقم مع تعطيل الأشغال والأسواق حالياً. 

 

أما من ناحية القطاع الصحي، حسب منظمة الصحة العالمية، غزةـ بقدراتها الطبية الحالية، قادرة تتعامل مع فقط أول 100 إصابة بالفيروس، وبعدها رح تحتاج لدعم إضافي. 

 

هذا كله بيخلي أزمة مثل وباء عالمي أصعب بأضعاف.

 

 

كلّ ما نحكي قصة عن فلسطين، فيه مقدّمة لا بدّ منها:

فلسطين مقسّمة.

مقسمة كثير.

فلسطين يعني الضفة الغربيَّة وغزّة، الي بيحملوا أهلها هويات فلسطينيّة بس بنفس الوقت الضفة مليانة مستوطنات وحواجز عسكريَّة، وبنفعش منها نمرّ على غزّة المحاصرة، إلا بتصريح من الاحتلال.

وفلسطين كمان هي المدن المحتلة عام 1948، وبيحملوا أهلها جنسيّات إسرائيليَّة قسراً، مثل حيفا وعكّا والناصرة.

وفلسطين يعني مدينة القدس، وبيحملوا أهلها هويات مقدسيَّة، بلا أي جنسيَّة... وكمان أهل الضفة وغزة بيقدروش يوصلوا ولا واحدة من هالمناطق إلا بتصريح من الاحتلال.

 

هاي التقسيمات مش بس إنعاش للذاكرة عن تاريخ هالبلد، هي اشي مستمر عم بنشوفه هلا، وصار أوضح في أزمة كورونا.

 

كثير صعب مثلاً إنه نجمّع خريطة واحدة لعدد الإصابات، نحصر فيها عدد المصابين الفلسطينيين بكل المناطق المقسمة.

 

كل مجموعة بتعيش تقييدات من نوع مختلف. بيافا مثلاً، الإعلام الإسرائيلي كان يحرِّض على "العرب" إنهم بلتزموش بالحجر الصحي، لنشوف بعد أيام عناصر من الشرطة الإسرائيلية عم تعتدي على الفلسطينيين بالشوارع وبتمارس العنف عليهم، دون غيرهم، بحجة إلزامهم بالحجر الصحي. هذا غير التمييز الإسرائيلي الواضح في توفير محطات للفحص في المدن والقرى الفلسطينية، وعدم توفير مواد توعوية رسميّة باللغة العربية. الفلسطينيين في الداخل المحتل عم ينظموا حملات توعية وأنشطة تكافل اجتماعي بشكل مستقل.

 

وبالقدس، سلطات الاحتلال ما بتقوم بنفس إجراءات الحدّ من انتشار الفيروس بالمناطق العربية، مقارنة بإجراءاتها في المستوطنات القريبة عليهم.

 

الاحتلال مش عم بيحاول إخفاء تعمّده لإيذاء الفلسطينيين، خصوصاً بهذا الظرف، الجيش مثلاً دمّر عيادة ميدانيّة بتخدم المواطنين في منطقة الأغوار.

 

ورغم إنه كل شي توقف بالعالم في هالأزمة، الاحتلال ما وقّف أبداً، الفرق إنه بس لبس كمامة.

 

بودكاست المستجَدّ من إنتاج صوت. 

 

كنت معكم في التقديم والكتابة لما رباح. في التحرير عبير قبطي ومحمود الخواجا، وفي الإخراج الصوتي تيسير قباني.

 

كونوا بخير وعافية.