الحب ما بعد الموت

نص الحلقة

الحب، الموت، والحب بعد الموت

"في شي بتذكرو كتير كتير كتير منيح وبعيد الذكرى تبعيتو وعدتها الخمس سنيين الماضيين، كان واحد من أصدقائنا بيعترف إنو هو مصاحب هاي البنت مع إنو هو كان صرلو فترة معاها فأنا كتير متحمسة إتعرف عليها، فكنا قاعدين على مرجيحة على السطح وعلي كان DJ"

هاي ريتا،

عم تحكيلي عن سهرة في بيت أصدقاء بالقاهرة من عدّة سنوات

"وبشقفة علي نقل من غنية لغنية وأنا اتطلعت فيه وبلشت إضحك كتير لإنو عارفة هو شو عم يعمل وكيف هو مستمتع كيف هو عم يلعب بالجمهور وعارف تأثيرو على اللعبة تبعيتو على الجمهور. هي انتبهت وقالتلي يعني إنو إنتو كيف تعرفتو على بعض؟ فبهيدي الليلة حكيتلها كيف أنا وعلي تعرفنا على بعض قبلها ب 13 سنة.”

التقوا بالقاهرة من 13 سنة. ريتا كانت عم بتزور من بيروت، وكانت قاعدة عند صديقتها اللي أصرّت تعرّفها على أخوها.

ريتا تلبّكت، كان صرلها سنة ونص مش داخلة بعلاقة والصراحة كانت مبسوطة بحياتها، وقالت لصديقتها "بلاش إحراج”.

بس اللقاء صار. أخو الصديقة اسمه علي. واللي رح يصير بعدين، إنه علي حيخطف ريتا ويروحوا يومين على شرم الشيخ، وبعدين يسافرلها على بيروت، وبعدين يخطف قلبها ويخلّيها تتهوّر وتنقل عالقاهرة بأقل من 3 شهور على علاقتهم.

السنة الأولى بالقاهرة كانت اختبار كبير لريتا وللعلاقة، ومتل ما قالتلي ريتا: اتبهدلت أول سنة، بس صمدت! وكانت سنة مليانة بالمرح والسعادة، وأهم شيء بالضحك. والسنوات توالت بعد هالسنة، تزوّجوا، وخلّفوا، وبنوا شراكة عمرها 13 سنة.

"كان يمكن بعد أسبوع من علي توفى وكنت قاعدة مع هيدا الصديق نفسو وفجأة تذكرت وقلتلو لسة عم بحكيلها كيف أنا وعلي تعرفنا عبعض وأنا وهو قعدنا نبكي كتير”

"فهي بالنسبة لإلي كانت أخر حفلة نحنا بنكون فيها مع بعض وهو كالعادة يكون الحدا اللي بحكي مع الناس بس كمان عم بعمل DJing  بوقت وكمان عم بشارك بالشوي وهيك”

مرق على هاي الحفلة اليوم سنين، عاشت فيهم ريتا اختبارات وتجارب كثير، تقلّبت على جميع درجات الحداد، وتراوحت ما بين فقدان البوصلة وإعادة اكتشاف النفس والطريق، وعاشت فيهم كمان الحب بوجوه جديدة. 

مرحبا من جديد، معكم فرح برقاوي، وهاد الموسم الرابع من بودكاست “عيب" من إنتاج “صوت"

بهاي الحلقة رح نفوت مساحة كتير ناس بتتجنب تفوتها أو تحكي عنها أو حتى تعطي رأيها فيها. عن الفقد اللي ما بنقدر نغيّره أو نسترجعه، وعن كيف بنحكي وبنتعامل معه. عن كيف بنكمّل حياتنا بكل تفاصيلها، وكيف بنعيش رغباتنا وخيالاتنا، وكيف بنستكشف مشاعرنا وبنحب من جديد، والشخص اللي فقدناه وحبنا إله عايشين جواتنا. 

عن الحب، والموت، والحب بعد الموت.

"هو حدا كتييير رايق وكتيير صبور وهادي مع إنو هو performer مؤدي عظيم جداً هو اللي بيحكي قصص وهيك مقارنة بإنو أنا هوجاء، متمردة، عفوية، شغوفة. فبنتشارك بالشغف بس طبعاً كتير مختلفين عن بعض بالمزاج العام وطبعاً كان في إشيا أوقات أنا بكون كتير فيها متأزمة، إنو لا هيدا كتير بطيء وأنا محتاجة إعمل كتير إشيا، بس بنفس الوقت بعتقد إنو هيدي الشي كقيمة كانت مفيدة لإلنا إحنا الإثنين، يعني هو صار أنشط وأنا تعلمت كيف أكون أهدأ أو كيف أفكر أكتر قبل ما أتصرف"

كنت عم بكتب هاي الحلقة ببداية أكتوبر 2019، واكتشفت بالصدفة أثناء مراسلاتي مع ريتا، إنها التقت بعلي لأول مرة بهادا الوقت سنة الألفين، يعني كان بيصيرلهم اليوم سوا: 19 سنة بالضبط.

بإحدى الأمسيات من حوالي 6 سنوات، كانوا ببيتهم بعد يوم طويل، وبدون أيّة مقدًمات، أصيب علي اللي كان وقتها بالنصف التاني من أربعيناته بأزمة قلبية حادّة ما قدر يتجاوزها.

وراح.
 

"ما ما ما في شي زيو أبداً حسيت فيه هاد الوجع، وجع هيك يعني قلبي بيتحرك من مكانه، بينعصر يعني physically بحسو كأنو فعلاً عم يتفعص قلبي"

"ما بعتقد إنو أي حدا بكون مهيّأ بأي وقت إنو هو يخوض هيك تجربة. أنا كنت شخص معتبر إنو طفولته وإنو ونشأته ما كانت سهلة أبداً وكنت فخورة بحالي قضيت سنين صعبين جداً وأنا عم بكبر خاصة بأيام المراهقة. وكنت خاصة مع علي كنت طول الوقت بإحساس عالي جداً جداً من التمكن وإنو ما في شي ما بقدر عليه ف فلما غاب بعتقد أول مرة بتعرف على الوجع يعني بختبرو" 

"أنا قعدت مع علي كذا ساعة لمن توفى حاضنتو وممتنة جداً إنو كان عندي هاي المساحة"

"بس اللحظة اللي أخدوه فيها إجا أكتر من حدا حدا سألني بدك تروحي معو؟ فما كنش في عندي أيَّ رد غير أنا بدي روح عند أولادي يعني هلأ لازم أكون مع أولادي"

ريتا مش متأكدة لو هاي كانت غريزة الأمومة أو شو بالضبط. بس هي تركت المستشفى، وترتيبات الموت، والناس اللي تجمعت ورجعت عالبيت لأولادها اللي كانوا بعدهم صغار بوقتها. الوقت كان متأخر، وخافت يفيقوا وما يلاقوها، وكل شيء كان بيدور ببالها شو بدها تحكيلهم الصبح عن غياب أبوهم.

"ريتا: أول ليلة ما كان في شي ببالي إلا إنو أحاول أوصل لناس أنا بوثق فيهم عشان الصبح لما الأولاد يفيقوا أعرف شو أقوللهم.

فرح: وعرفتي؟

ريتا: آه هو مباشر وبسيط ويمكن بديهي إنو بابا مات، مش حنشوفو تاني وإحنا زعلانين جداً ومتضايقين جداً. بس مافيش حاجة نقدر نعملها، هو موجود في قلبنا."

ما كان قدّام ريتا غير إنها تضلّها تعيد هاي الجملة لأولادها، بأوقات مختلفة وطرق مختلفة. 

كانت بتواسيهم وبتواسي حالها، وبتفتح مساحة بين الخيال والواقع، بين الفقد والتمسّك، مساحة للغياب ولبقاء الغائب، مساحة للحداد.

"التفكير بالتوازن ما بين مهم يشوفوني عم ببكي بس مهم ما يشوفوني عم ببكي كل الوقت، عشان كمان همه يعبرو عن مشاعرهم، فكان يعني طول ما همه موجودين أنا محافظة على نوع معين من التركيز، يمكن عشان هيك كان بالنسبة إلي إنه مهم ما أغير الروتين اللي هن متعودين عليه"

كانت خطّة النجاة رقم واحد بالنسبة لريتا. الولدين بيروحوا عالحضانة والمدرسة، وهي بتروح عالشغل. بتشغل حالها بقدر الممكن، وبتخلّص البكا أغلبه برّا، وبس ترجع عالبيت بتركّز مع الأولاد.

الصورة من برا بتظهر فيها ريتا امرأة جبّارة ومسيطرة عالموقف منيح، أو يمكن هاي الصورة الوحيدة اللي بتخلي بعض الناس يعرفوا يتعاملوا مع الموقف، إنهم ياخدو مسافة من مشاعر الشخص اللي فقد شي كبير بحياته، ويختصروا كل نضالها من أجل البقاء بإنه دليل على القوة، أما الحديث عن تفاصيل الفقد فبيخلق غرابة بالحديث، وبالتالي ما بينحكى فيها.

"بتعرفي كيف الناس، اللي هو إنتي قوية، كل هاد الشي السخيف اللي الناس اللي بتقولو بهدول الاشيا … وطبعاً مكنتش أرد عليهم. لمن كنت اتعذب بأيام المراهقة والناس تقولي معليش إنتي قوية وهيك كان دايماً ردي بيكون: إنو مش معنى إنو أنا قوية معناتو إنو it is okay إنو يصير في ظلم أو وجع أو يصير في أذى. أنا مش محتاجة أثبت يعني لأي حدا إنو أنا قوية يعني"
 

الموضوع مش مباراة في القوة والتحمّل. التعامل مع الفقد وفهمه وهضمه، مش واحد زائد واحد بيساوي اتنين، هاد بالإضافة للتعامل مع المسؤوليات اللي بيتركها هاد الفقد، واللي بتحتاج طاقة إضافية فوق كل طاقة التماسك. 

إذا مش القوة والتحدّي، سألت ريتا، شو أكتر حالة كانت عم بتحرّكها بهداك الوقت؟

"اللي أنا بتذكرو إنو أنا كنت كتير كتير كتير خايفة، في الآخر أنا في حياة أنا وعلي بنيناها بالكامل من أولها لآخرها، كان بشغلنا ولا كان مع الأولاد والبيت  والعيلة الصغيرة والأصدقاء اللي حوالينا فكان أنا شو بدي أعمل بكل هاد الشي لحالي"

ريتا وعلي كانوا شريكين حقيقيين بالشغل والبيت والحياة. اللي كان بينيّم الأولاد بليلة، التاني بيفيق معهن الصبح ليجهّزهم للمدرسة. وبالشغل كانت مسؤولياتهن متساوية بشكل أو بآخر. وفجأة صار مطلوب من ريتا تقوم بدور شخصين بالبيت وبالشغل.

وهيك، بدون ما تحسب معادلات قوّة وضعف، وتحدّي ومقاومة، من تاني أسبوع على رحيل زوجها وشريكها في العمل والحياة، قررت ريتا تكمّل الحياة اللي كانت حياتهم، بس هو مش معها.

ومسنودة بالأصحاب وبالشغل وبغريزة البقاء، عاشت ريتا حدادها يوم بيوم وصار جزء من حياتها. جزء من شخصيتها، وجزء من صداقاتها، وجزء من أمومتها، وكمان جزء من كينونتها كامرأة.

"منيتي، صمتًا، هدوءًا"

"دايما بيحكولك إنو في المراحل يعني التروما المختلفة ما بين الوجع وما بين الإنكار وما بين الغضب يعني يمكن ما بعرف إذا أنا كان كل يوم بروح ع الشغل كان جزء من الإنكار"

الحداد رحلة، رحلة طويلة. مركب بتبحر بدون بوصلة وبدون وجهة محدّدة.

ومع إنه كتير مراجع بحثية بترتّب الحداد على مراحل؛ بتبدأ من الإنكار وبعده الغضب وبعده التفاوض وبعده الاكتئاب والإدراك وبالآخر القبول، إلا إنه مش بالضرورة هالمراحل تتوالى بشكل خطّي ومنطقي، ولا إنه كل مرحلة لازم تخلص عشان نعيش اللي بعدها. 

بالواقع المعاش، الحداد أقرب لصولات وجولات القتال، الكر والفر، الانتصار والانهزام وما بينهم الهدنة والتمرين وإعادة الشحن.

ريتا بترجّح اليوم إنه ممارستها لطقوسها اليومية كان في جزء كبير منها إنكار. بس هالإنكار، ويمكن الهروب، كان بيتخلله وخزات من الوعي والغضب ربما، وخزات ما منها مهرب.

"قعدت وقت كتير جدًا لما الناس تكون قاعدة عم تحكي عن يومها دايما مسيطر علي فكرة انه كيف انه قادرين تقعدوا هيك بشكل عادي جدا تحكوا عن هيك موضوع، علي مات."

"لا تحدثني عن الأمس، ولا تذهب لغد"

ريتا كانت وكإنها بتختبر الحياة من وراء زجاج سميك، أفكارها ومشاعرها معبّيينها، بتتفرج على الزملاء والمعارف بيحكوا، بس بتسكت وكأنها فقدت لغة الخطاب. وخزات الوعي وتذكر العبث اللي طال حياتها، خلق عندها إصرار شديد على الصمت.

"الوجع اللي كنت عم بحسو، مستحيل، مكنش عندي غير الصمت قدامه، مش حاسة انه قادرة احكي مع حدا إلا حدا بشكل أو بآخر بيعرف شو يعني موت حدا هالقد قريب لالو."

بأوقات، الصمت كان جاي من حالة ارتباك وتوهان أكثر ما هو إصرار على إعلان الحداد. وكإنه حدا فجأة علّق أو عطّل ذاكرة ريتا وقدراتها: 

"قعدت وقت طويل أنا مش عارفة أنا مين. يعنيييي إحنا قعدنا ١٣ سنة مع بعض في آخر أربع خمس سنين كنا بنكمل بنحكي بنكمل جمل بعض. أنا نفسي مش عم بعرف كيف فكر، يعني واقفة هيك وإنو أنا شو موقفي ولا شو رأيي بهيدا الشي أو هيدا الشي. فأقعد ساكتة، بعدين أكتشف إني مش عارفة أطلع أفكار ومش فاهمة"

استمرت حالة الصمت عن التعبير واللون الأسود ومراقبة العالم والغربة عن النفس سنتين تقريبًا. وبأثناءها، كانت ريتا شوي شوي عم تستوعب ضرورة إنها تتعرف على حالها من جديد، على نفسها المستقلة، على شو حاسة وشو بدها، وكيف تعبّر عنه، لكن كمان اختارت تبدأ من مكان صامت:

"هاي بحد ذاتها كانت خطوة لقدام بعتقد، فكانت إنشاء أكاونت عالإنستغرام، وكان بالنسبة لالي آه هو صامت وأنا ما بدي أحكي مع أي حدا عالانستاغرام. وما بدي أتابع أي حدا عالانستاغرام، أنا بدي أشوف كيف ممكن أحاول أعبر عن نفسي من خلال الصور وهي صامتة وهيدا كان أقرب شي لإلي بهاي المرحلة."

"لم يعد للزمن المحدود عندي أي معنى.. قد تلاشى الأمس"

اللحظة اللي فتحت فيها ريتا حساب انستغرام، كانت مثل لحظة توضّحت فيها أجزاء من الرؤية بعد تشويش تام. رؤية الواقع الجديد والاعتراف فيه، لحظة بتعلن بداية مراحل حداد جديدة، خليط من الإدراك والاكتئاب والقبول.

بس قبل ما نوصل ل هاللحظة، وين راح باقي الغضب؟ وين راح التفاوض بين الحقيقة والأمنيات؟

"والغد المجهول، يمتد بعيدًا. ليس يُجلى" 

أو لو تجاوزناها ممكن نحط الموسيقى الفاصلة شوي وبنرجع ندخل على "لم يعد.."

ريتا، مثل كتير نساء بمجتمعنا، عاشت مراهقة صعبة كتير، مليانة مراقبة ومحاسبة ومنع: قيود على الحركة، وقيود على حرية التعبير، وطبعًا قيود مشددة على التواصل مع الشباب، أيًّا كانت نوع العلاقة معهم، صداقة أو حب أو حتى زمالة.

وبالتالي، كانت مُراهقِة مليانة غضب وإحساس بالظلم، ومقابل كل الضغط اللي محطوط عليها، كانت بتبتدع الحيل، بتتمرد وبتتحدى كل الممنوعات حتى لو بأشكال أدركت لاحقًا إنها كانت مؤذية إلها، نفسيًا وعاطفيًا، متل إنها تدخل وتطلع من علاقات متتالية مع أشخاص مش مناسبين أو مؤذيين أو ضايعين متلها.

مع صدمة الفقد، وتشويش الإنكار، واستقبال المواساة والنصائح،  ومواجهة العالم بصمت، تسلّل الغضب لروح ريتا وصحّى جوّاها المراهقة المتروكة والمتخبّطة.

قرّرت تفوت بعلاقة، بلا تفكير كتير بشو ظروف هاي العلاقة ولا مين الشخص.

"فواضح ما بين يعني الصدمة تبع إنه كان في شخص طول الوقت موجود جنبك بتقدري تلمسيه بتقدري تحسيه، بتقدري تشميه، فجأة بطل موجود. وكأنو استعادة الpattern اللي أنا عملته وأنا مراهقة. فكان بالنسبة لإلي بالزبط نفس الpattern. فرصة صارت بهاد الشي، بادرت فيها وهيك صارت"

كان شخص تعرفت عليه من خلال أصدقاء، وكان هو كمان عنده قصّة فقد لحدا غالي عليه كتير، الشي اللي خلّى العلاقة في غضون شهور قليلة تتطور بسرعة وتظهر على إنها عميقة.  

لكن لما بتطلع ريتا لورا، بتشوف إنها ما كانت غير علاقة رمزية جدًا. علاقة تفاوض مع اللي راح واللي بقي، وتنفيس عن الغضب.

"اللي طبعًا بعدين اكتشفته إنه هو التباس، يعني هو أنا مشاعري تجاه علي أنا محتاجة مارسها، مع حدا"

ريتا فاتت بعلاقة بيسموها أحيانًا علاقة تروما أو علاقة مبنية على الصدمة، بتخلق نوع تعلّق بنفكر إنه رح يعوّضنا عن اللي فقدناه أو يحمينا من الوحدة أو يعفينا من مواجهة الأسئلة الكبيرة اللي عم تطرحها الحياة علينا بهيك فقد. 

"كانت تجربة صعبة جدًا جدًا، وقاسية كمان جدًا، وهلأ إذا بفكر فيها شوي، كمان مضحكة، لأنه فعلا كان في سبع تمان شهور أنا فعلا بتصرف فيهن زي ما كنت بتصرف  وأنا مراهقة وأنا مع حدا بس عشان أنا محتاجة هاي الحميمية، محتاجة هاي المرافقة عشان الإحساس القوي جدًا بالوحدة بس مش بالضرورة هو هادا الشخص اللي أنا بدي إياه"

لما بنفقد حدا حبّنا وحبّيناه بقوة، في جزء مننا بيفقد حبُنا لأنفسنا، وكإننا ما كنا بنستاهل هداك الحب، متل ما بيحس طفل تخلّوا عنه أهله، بيفسر الدنيا من منظوره، وكإنه هو الغلط. 

وأول خطوة على طريق التعافي، هو إنه نرجع نتعرف بفضول على أنفسنا، ونربي حبنا لأنفسنا من جديد، حبنا لأنفسنا حتى لو ما عرفنا ننقذ أو نحتفظ بالشخص اللي بنحبه.

أنو أنا اللي أنا بعرفها ماتت، لما علي مات. والحدا اللي مكمل يتنفس بعد علي هو حدا انولد، رجع من جديد ومضطر انه يرجع يواجه هاي الحياة وكأنه بشكل ما أو بآخر يرجع يتعلمها"

لما فاقت ريتا من التجربة الأولى بعد الفقد، أدركت حاجتها لشيء مختلف. كانت نسخة جديدة عن حالها ما بتعرفها، وحست إنها محتاجة تركز بحياتها بكل تفاصيلها من جهة وكمان محتاجة تبني علاقة بينها وبين هاي النفس الجديدة.

وهيك وصلت لقناعة إنها ما عندها وقت أو مساحة لعلاقة جدية متكاملة بهديك الفترة من حياتها:

"كنت وصلت لمرحلة إنه أنا الحقيقة أبدًا ما عندي وقت لعلاقة .. العلاقة شي بياخد مجهود ووقت كتير، وأنا فعلا ما بين الأولاد والشغل ولإنه هيدا الشي كله عليي، أنا فعلًا ما عندي ما عندي مساحة لعلاقة، فكنت واصلة لمرحلة أنا كتير متصالحة ومرتاحة لهيدا الشي، هو شوي في وحدة لكن كتير طورت آليات إنه هاي الوحدة ما تكون قاسية."

بنفس الوقت، أدركت ريتا إنها ما فيها تنتظر شخص يعوّض شريكها الراحل. 

هو رح يضل هو، ورح يضل عايش جواتها. والشعور بالاكتفاء اللي كان معبّي علاقتها فيه، خلص بطّل موجود. 

وبالتالي، بين إنها تفوت بعلاقة محبطة أو تحرم حالها تمامًا من المتع، ريتا اختارت شيء تالت بيشبهها أكتر، وبيشبه كيف هي وعلي كانوا بيحبوا الحياة.  

قررت ريتا تبحث عن اللي كانت عايشته بعلاقتها من تفكير مشترك وحكي وضحك وحميمية من خلال علاقات مختلفة بأنواعها وأهميتها:

"أوكيه هدول ال3 -4 اصدقاء الي انا بيثيروا أفكاري وبالتالي اني لما إنا محتاجة احكي في مواضيع معينة لازم أحط مجهود إني أحكي معهم، والناس اللي أنا بستمتع معاهم عشان هما بيحكوا قصص حلوة أو هما بيحبوا الحياة وبحبوا يرقصوا وبحبوا يضحكوا لازم أكون واعية جدًا إنه أشوفهم بشكل مستمر وإلا حأرجع إنزل، وبنفس الوقت نفس الشي يعني لما محتاج جسمي إنه يمارس الجنس كان بالنسبة إلي سهل جدًا إنه يكون في علاقات عابرة".

بمجتمعنا، عادة بنسمع الحديث عن احتياج الرعاية والجنس، لتبرير دخول الرجال بعلاقات جديدة، سواء بعد الفقد أو الانفصال أو حتى وهم بعلاقات مستمرة بس ناقصها شي. 

بالمقابل، في افتراض إن الجسد الأنثوي مش كتير بيحتاج للمتعة والجنس، وإنه النساء بيحتاجوا عواطف وحنان أكتر من أي شي تاني، قدّام فحولة الرجل وغرائزه.

وفي حالات الفقد، في حالة مجتمعية بتقدّس الموت أكتر من الحياة. حالة وتوقع متوارث جيل بعد جيل إنه الوفاء معناه الصيام والامتناع عن جميع الملذات، وإنه الحزن  بيعطّل الرغبات، وتحديدًا الرغبة في الحب والجنس.

بس الواقع المعاش، واللي ما بينحكى فيه بالعلن، إنه الناس بترغب وبتتعامل مع رغباتها بدرجات مختلفة، بغض النظر عن جنسهم البيولوجي أو هويتهم الجندرية. وإنه هالموروثات المجتمعية نابعة من تمييز واعي أو غير واعي، كل همّه القمع، والسيطرة على أجسام النساء، إلى جانب الهلع من كلام الناس والتابوه والعيب.

بالنسبة لريتا، هي كانت طول عمرها متصالحة مع رغباتها. كانت شغوفة، بتستمتع بكل شي حلو، بالأكل، وبالقصص، بالغنا وبالرقص، وكمان بالجنس. أو باختصار، ريتا شخص بيستمتع بكل الأشياء اللي بتمتع البشر على اختلافهم، وهاد الشيء ما بيغير من واقع الحداد أو الحزن، أو إنه مثلًا يكون عكس الوفاء.

"بعدها بسنة بعتقد كتبت شي عن هيدا الموضوع، شي ساخر الحقيقة عنوانه (متى تستطيع الأرملة أن تمارس الجنس؟) يعني وصف إنو يعني إني أنام مع حدا مش معناتها أنا مش وفية يعني لجوزي، هادا ما خصو أبدًا بهادا يعني بالعكس هو كل ما يمكن بمرق الوقت كل ما هو حاضر أكتر وموجود أكتر."

الوفاء عند ريتا هو إدراكها وممارستها اليومية لحب النفس ولحبها لزوجها، اللي مالي قلبها وذكرياتها وبيتها، هو إنها تقدر تكمل حياتها وتقدر تضحك زي ما كانوا بيضحكوا سوا. إنها تسعى لتكون مرتاحة مع حالها ومع عالمها. وإنها بنفس الوقت تقدر تحبه بحرية حتى لو مش موجود.

"حبيبي، مهما بعدت، مهما سافرت، مهما غبت يا روحي عني قريّب مني"

انشغلت ريتا بترتيب عالمها الخاص بدون توقعات، والتعامل مع تفاصيل حياتها وتطور أولادها كل يوم بيومه. لحد ما التقت بشريكها الحالي.

العلاقة بدأت كعلاقة سريعة وعابرة، تعرّفت عليه بالصدفة أثناء سفرة شغل، ومع إنه عايش بمصر مثلها، إلا إنه بالنسبة لريتا كان مفهوم إنه العلاقة رح تنتهي بعودتهم للقاهرة. لكن بعد العودة، هاد الشخص ضل وراها وراها لحد ما التقوا وحكوا بالموضوع.

"كنت واضحة جدًا بإنه أنا شخص ما عندو وقت لعلاقة ومش مهتم إنه يبتدي علاقة مع أي حدا لإنه فعلا ما عندي وقت وصلنا لاتفاق إنه آه ممكن نشوف بعض لو هادا الشي لسه ممتع ولسه لطيف واللحظة اللي لأي مننا مش ممتع أو مش لطيف حيوقف، من غير أي توقعات على الإطلاق."

العلاقة بين ريتا وشريكها الحالي انطلقت من هاد المبدأ، وكمّلت هيك لمدة سنتين تقريبًا، قبل ما تتطور بالسنة الثالثة لشكلها الحالي الأكثر عمقًا.

Melody Gardot 

“If you ask me plainly, I would gladly say I'd like to have you round just for them rainy days”

"بعتقد إنه قعدت فترة كتير طويلة بإنكار إنه هي علاقة جدية، مع إنه هي علاقة جدية"

"والحقيقة عمرها ما كانت بأي شكل من أشكالها العلاقة كان ممكن إنها تكون جدية إلا إنه الأولاد طبعا هم بوصلتي"

جدية العلاقة انبنت شوي شوي، وجزء كبير منها كان بناء الثقة بين ريتا وصاحبها، وبين صاحبها وأولادها كمان. 

"لما صار واضح إنه صاحبي موجود بحياتنا بشكل منتظم، بيخلي الأولاد يلاحظوا إنه العلاقة معه مختلفة عن كتير من العلاقات مع الأصدقاء اللي بيجوا لعنا عالبيت. قلتلهم هادا صاحبي وأنا بحبه وهو بيحبني، وإحنا بنحب نشوف بعض في أوقات مختلفة، منها أنا وهو بس، ومنها نحنا كلنا مع بعض كعيلة."

أسلوب ريتا مع أولادها كان دائمًا صريح وبسيط وبنفس الوقت حنون، وزي ما من قبل خبرتهم بمشاعر صادقة عن فقدانهم لأبوهم. خبرتهم بنفس الصراحة والبساطة والحنان بعد سنوات، عن مشاعرها وعلاقتها مع صاحبها اللي بدأوا يتعودوا على وجوده، وإنه مش بس صديق عادي.

من جهة تانية، صاحبها كان حريص يبني علاقة تراكمية مع الأولاد بشكل مستقل عن علاقته فيها.

"أخد وقته بالأول كتير لياخد خطوة لقدام، ببناء علاقة مع الأولاد، وبالنسبة لإلي هيدا كان كتير مهم. وبنى علاقة معهم على إنه صديقهن. وهن أصدقاؤه. فالأولاد بيعرفوا عنه على إنه مين هيدا؟ هيدا صديقي. مع إنه هو كمان ممكن يقولوا هيدا صاحب ماما، بس بالنسبة لإلن هم بيشوفوه كصديقهن. فبالنسبة لإلي هيدا مريح إنه نجحنا ما بيننا إحنا الاثنين إنه كمان نخلق هيدا النوع من العلاقة الصحية، يعني أنا مطمنة يعني الأسئلة اللي كانت حاضرة عند الأولاد كانوا مرتاحين يسألوها إن كان لإلي أو لصاحبي".

مع الوقت، هاي الصداقة بين أولادها وصاحبها تعمّقت أكتر، صار في اهتمامات مشتركة ونقل للمعرفة والمهارات بين صاحبها والأولاد:

"صاحبي وهو صغير كان بيحب الصيد كتير، ومرة رحنا سوا عالمكان اللي كان بيصطاد فيه سوا كعيلة، وكان عنده صنارة الصيد تبعته وهو صغير، وابني الصغير كتير كتير اهتم بهيدا الموضوع. وانتبهنا لهيدا الشي وغذينا هاد الموضوع سواء كان بمهارات الصيد نفسها أو كيف الواحد يركب الصنارة. ففي هاي علاقة كتير خاصة بين صاحبي وابني الصغير اللي تكونت السنة الماضية"
 

الموت حقيقة كبيرة، كتير مننا بيضلوا عمرهم كله يهربوا منها بالاستسلام لأفكار مثل السرعة والتنافس والاستقتال للحصول على علاقات أو أشياء. بس الموت جاي، والخوف منه هو تحقيق إله بدل ما نعيش الحياة، نعيشها وإحنا عارفين إنها غالية وبتستحق كل لحظة متعة وحرية.

الموت دخل بحياة ريتا أبكر بكتير من ما تخيلت، بس حبّها الشديد لعلي، وتحرّرها من فكرة القداسة، وتمسّكها بالحياة، خلّى الحب يكمل لما بعد الموت. وخلّى قلبها يوسع حب جديد.

"هو ببساطة في علاقة 13 سنة موجودة بكل تفاصيلها، موجودة وعايشة جواتي، وفي علاقة جديدة هلأ عم عيشها. ممم . أنا ما بشوف أي نوع من التناقض فيها. عندي نفس الإحساس لما بتذكر علي، وبنفس الوقت أنا وصاحبي عم نعيش هاي الحياة اليوم، وعم نستمتع فيها والأولاد عم يكبروا، وفي علاقات مختلفة وجديدة عم تتكون. 

متل ما كنت بقول، لما واحد بينقل من بلد لبلد، ما بيخسر البلد اللي هو كان فيه، هو بيكسب بلد تاني أو بيت تاني، فهو نفس الشي تقريبًا ما بين العلاقتين."

هاي الشجاعة لقبول الموت، وقبول الحب، خلقت زاوية جديدة من الرومانسية بين ريتا وصاحبها، مش سهل نلاقيها بمجتمعاتنا اللي بتعودنا على إنه الغيرة والرغبة في التملك هي إشارات على الحب بدل القبول والتصالح.

"يمكن وحدة من أكتر الأشياء الرومانسية الحقيقة اللي قلي إياها صاحبي، كانت إنه….. إنه وحدة من الاشيا اللي بحبها فيكي هو علي، إيييييه والحقيقة هو بالنسبة اللي رومانسية هادا الشي كانت جايي برضو قديش هو كمان شايف علي موجود فيي، زي ما هو موجود كمان بناس حواليي هو كمان عم يتعرف عليهم."

بدخول علاقتها مع صاحبها سنتها الثالثة، حست ريتا إنه صار في تراكم على كذا مستوى خلّى إنه يكون لهاي العلاقة مكانتها ووجودها وحضورها. لقت حالها بشكل سلس ومُحب، بتعيد إحياء واحد من الطقوس المهمة اللي كانت هي وعلي بيمارسوه بالذكرى السنوية لعلاقتهم، وبتنقل هادا الطقس لعلاقتها الجديدة:

"من قريب تمّينا 3 سنين واكتشفنا إنه هيدا هو التاريخ، هيدا شهر سبتمبر هو الanniversary، فصار في كلام، وهاي عادة لطيفة جدًا كانت موجودة بعلاقتي بعلي، اللي بشكل عفوي جدًا كملتها مع صاحبي، قصة إنه أوكيه هي معناتو إنه حنقعد نتحدث عن السنة وكيف مرقت، وهل نحن الدنيا لطيفة ونكمل ولا خلص يعني، خلصت السنة ونقفّل يعني، فهيدا لطيف الحقيقة". كممارسة"

وصلنا لآخر الحلقة، بس بالختام حابة أقول إنه قصّة متل قصّة ريتا ما زالت تعتبر خاصّة جدًا. 

الحب والارتباط بعد الفقد أو حتى الانفصال، مش سهل أبدًا وغالبًا لسه مش متاح لغالبية النساء في مجتمعنا، بسبب الأعراف والتقاليد، وتحديدًا لو كانوا أمهات. 

بس في تفاصيل وتساؤلات جوّه قصّة ريتا بتمس كتير نساء عم بيخوضوا تجارب مشابهة بشكل أو بآخر. ريتا نشأت بنفس هالمجتمع، وواجهت صعوبات وتمييز كبير في طفولتها ومراهقتها، لكنها عند أول فرصة قدرت فيها تستقل ماديًا خلقت عالمها الخاص، واستثمرت بنوع الحياة اللي كان بدها تعيشها، ونوع الأشخاص اللي كان بدها تعيش حولهم، وخلقت دائرة أمان وتحرر معينة عاشت فيها علاقتها بعلي. وكان هاد الإدراك للحرية في الحب وتقرير المصير، خطوة لا رجعة عنها، مسكت فيها بإيديها وسنانها، ومهما كان غياب علي قاسي، إلا إنها قرّرت تعيش الحياة لآخرها، وبنفس هالدائرة الآمنة، عم بتعيش هلأ علاقتها الجديدة.

ريتا حبّت عن جديد، وقدرت تبني شراكة تساعها وتساع ولادها اللي عم يكبروا، وكمان تساع عالمها. وريتا لسه بتحب علي، ولسه بتعيش معه شراكة خاصة برغم الغياب. 

وهاي التجربة فتحتها على حياة جديدة الحب فيها أكبر من وجود الجسد، وأكبر من الحزن، وأكبر من كلام الناس، وأكبر من الخوف والعيب.

هاي كانت حلقة جديدة من الموسم الرابع من بودكاست "عيب" من إنتاج صوت.

غيرنا اسم الشخصية بالحلقة حفاظًا على خصوصيتها

الأغاني اللي طلعت معنا بالحلقة بتلاقوا معلوماتها بالوصف المرافق

أخرج هالحلقة صوتياً تيسير قبّاني، حررتها وأشرفت على إنتاجها صابرين طه، وأنتجتها وقدمتلكم إياها أنا فرح برقاوي.